د. طورهان المفتي

من ثم تطورت وتشعبت فكرة العبثية والعبث إلى الصراعات والى الجدالات التي لا تنتج والتي لا تصل إلى نهاية مرضية للأطراف المهتمة او للمتلقي .
اما العدمية فهي هي مذهب فلسفي يذهب إلى أبعد من العبثية، حيث يعتقد أن الحياة والكون يفتقران تماماً إلى أي معنى او قيمة أو حقيقة موضوعية.لتتطور فيما بعد بان تكون وصفا لعدم جدوى السلوكيات بإجمالها للانسان وبعدم وجود اي غاية او هدف مما يتم انجازه وان ما يتم القيام به طوال عمر البشرية هو عبارة عن لحظة وميضية عابرة ، بالتالي ان يكون العمل ذا مغزى او هدف سامي من عدمه لا يهم بتاتا.
من الأمثلة القريبة على عبثية الانسان هي ان شخص ما حينما يختار عملا او وظيفةً معينة وان هذه الوظيفة لا توفر له غير المأكل والإقامة او المبيت .ففي هذه الحالة تكون الوظيفة أقرب إلى العبث وضياع الجهد وعمر الإنسان وفي هذه الحالة هي اقرب إلى العبودية في سالف العصر والزمان .
اما الأمثلة القريبة إلى عدمية الانسان هي ان يقوم شخص ما بدراسة معمقة ولسنوات طوال حول موضوع معين وهو يعلم نتيجة الدراسة مسبقا مثل يعمل ويدرس وينجز بحوث حول إمكانية تحويل الفحم إلى عنصر الذهب وهو يعلم ان هذا الشيء مستحيل علمياً بالتالي أضاع الشخص واعدم وأفنى عمره في شيء لا فائدة ولا معنى فعلي منه .
بعد الانتهاء من التعاريف والأمثلة لهذه الحالات الفلسفية لناتي ونعمل إسقاطاتنا على ما يجري في العلم في الشرق الأوسط بالذات .
ماهية الصراعات ؟
جرت العادة منذ أول صراع وقتال للبشرية بين ابني ادم بان يكون القتال بأهداف واضحة ( بغض النظر عن ماهية الهدف او هل الهدف سامي من عدمه ) ومع نمو البشرية وتعدد الاهتمامات للكتل البشرية ظهرت الصراعات المختلفة التي كانت تتحول إلى معارك وحروب ضروس ،لكن بالرغم من كل ذلك كانت الأهداف واضحة لهذه الصراعات ،فقد تمحورت الصراعات والحروب حول :
احتلال الأراضي واستباحتها ، إسقاط نظام، السيطرة على الموارد، أو فرض معادلة سياسية جديدة وحتى في أحيان كثيرة كان الهدف نشر فكر او فرض حالة مجتمعية معينة .
ان ما يحصل من صراع بين الولايات المتحدة وحلفاءه وايران بات مختلفا كلياً عن اي صراع آخر ،فهذا الصراع تميز بعدة نقاط هي :
١- حربٌ بنظام التقسيط حيث تشتعل الحرب لفترة وتنطفي لفترة اخرى من دون إنذار او سابق إعلان جدي .
٢- الإدارة البعيدة للحرب وعدم وجود جغرافية واضحة تستند عليها الولايات المتحدة امام ايران .
٣- حرب كلفتها أكبر من أهدافها، ولأن أهدافها نفسها باتت غامضة، متناقضة.
٤- سيولة الأهداف ومطاطية إطلاق الاراء حول تلك الأهداف .
٥- مفاوضات تحت الطاولة واستمرار الصراع بشكل موازي بنفس الوتيرة .
بالنتيجة هي ليست حربًا معهودة او معركة كلاسيكية من أجل نصرٍ واضح يعقبه مفاوضات واضحة الخواتيم وانما هي أقرب إلى صراع استنزاف رمزي، وتكون فيها القوة ليست للحسم وانما لاجل إنتاج رسائل، وتخليل حاجز رادع مع انشاء محتوى إعلامي ، وإعادة تموضع نفسي وسياسي.
أي أننا أمام حرب تُخاض، ولكن من دون أفق وبنهايات هي اشبه بشريط موبيوس ( وهو شريط يصف حالة عدم وجود سطح داخلي لأي مجسم مما يخلق نوعا من التمويه والتشويش للمتلقي ).
عبثية الحرب القائمة .
المميز في الشرق الأوسط، ان هذه المنطقة ولاّدة للازمات ومحبة للتقاطعات مما يجعل من الحرب جزء من كينونة المنطقة وأقرب إلى طقس سياسي منه إلى حرب فعلي . وبتعبير ادق فان الحروب في الشرق الأوسط لا تندلع من اجل إنهاء أزمة حيث ان إنهاء الأزمة تولد بالضرورة استقرار مستدام ، إنما حروب هذه المنطقة تكون من أجل إدامة توازن هشّ، أو تأجيل حالة تصادم وربما انفجار متعاظم ،
فحين تشن الولايات المتحدة حربا ما في الشرق الأوسط ، فهي تناغم الأجواء فيها وهي لا تحارب دائمًا لكي تحتل أو تُسقط، بل لكي تعيد للذاكرة بانها ما زالت موجودة ومتحكمة في القرارات هناك .
وبهذا المعنى، تتحول الحرب إلى لغة استعراضية، مؤدية بالنتيجة ان تكون لكل ضربة من الولايات المتحدة ان تنتج ضربة مضادة من قبل ايران ، وكل ردّ يقابله ردًا آخر .
إنها دائرة مغلقة من القوة الرمزية، لا تصنع سلامًا، ولا تُنتج نصرًا، ولا تُسقط خصمًا.
وهنا لا نجد إلا ان تكون التعريف لهذه الصراعات والحروب المفروضة في المنطقة بانها حروب عبثية فإنها تستخدم امكانات وأدوات هائلة وذات طاقة مخيفة من العنف من اجل نتائج صغيرة ،مؤقتة وغير ذي جدوى فعلي .
عدمية الأهداف .
ونحن نرى أسابيع من استمرار الصراع والحرب بين الولايات المتحدة وايران يجعل منا امام سوال جوهري ،وهو :
هل لدى الولايات المتحدة أهداف واضحة وثابتة ومعينة من هذا الصراع ؟
هل تريد الولايات المتحدة تغيير النظام الإيراني؟ ( سبق وتم طرح هذه الفكرة وتم تغييرها وتم تحويرها لعدة مرات ) .
إذا كان الجواب نعم،
فهل تملك الولايات المتحدة خطة وخطوات لما بعد التغيير ؟ وهل تضمن ألّا يتحول الفراغ الإيراني الى فوضى معقدة وإرادات متقاطعة واحترابات داخلية ؟ وقبل كل هذا وذاك هل بالإمكان تغيير النظام اساساً؟ وما الهدف من تغيير نظام متجذر ومتشعب داخل المجتمعات الإيرانية المختلفة معتمدة على العقيدة تارة وعلى المد القومي اخرى وعلى الإدارة السياسية في حالة آخرى .
أم أن الهدف من الحرب فقط تدمير البرنامج النووي الإيراني والأسلحة بعيدة المدى ؟
علما ان هذا الهدف نفسه محدود، لأن الصراع القائم قد تثبط المشروع، لكنه لن ينهيه ، وقد تدفع ايران إلى مزيد من السرية والتصلب.
أم أن الهدف هو إعادة ترميم الردع الأميركي أمام حلفائها وخصومها؟
إذا كان هذا هو الهدف، فهل يستحق هذا الترميم كل هذا الاحتمال من الدم والخراب والانفجار الإقليمي؟
بالتالي علينا ان نستمر في التساؤل وهذه المرة ماذا تريد إيران من هذا الصراع ؟
هل تريد ايران ان يكون الشرق الأوسط خال من من النفوذ الأميركي؟ وتنقية جغرافية المنطقة من التواجد الاميركي وتواجد تبعيتها ؟وهل تريد إثبات نفسها كقوة إقليمية ؟ واخيراً وجود وازع الدفاع في صراع يؤول كصراع وجود .
كما وان هناك دول المنطقة التي تشارك بالصراع بطريقة او بأخرى ولم نتطرق اليهم باعتبار غالبية هذه الدول ضمن ملف الصراع سواء بقرار ام لا .
ان ما تم طرحه أعلاه من الأهداف المختلفة لطرفي الصراع ممكن وبشيء من الدهاء والتعزيز ان تتحق من خلال بناء اقتصاديات متعددة الرؤوس او تفاهمات مناطقية او المشاركة السياسية وبناء الشرعية ومد روابط الثقة .
بالتالي لن تكون هناك حاجة لا إلى حرب ولا الى أهداف تغيير النظام او إزالة النفوذ .
ان عدم الأخذ بالحلول السهلة والخالية من الحروب يجعلنا ان نعتقد وبكل دقة عدمية الهدف في هذا الصراع الفاقد للمعنى وخاصة مع وجود حلول اخرى اقل تكلفة وأفضل لحماية ارواح البشرية .
فحقيقة الأمر ان الحروب العبثية تنتج أهدافا عدمية او لنعيد الجملة بصيغة اكثر منطقية ولتكون الجملة ، ان عدمية الأهداف ان أشعلت حربا فمطلقا هذه الحرب ستكون عبثية