منظومة السياسة الإيرانية (تحاكي الكائن الحي)

من الصعوبة بمكان استيعاب السلوك (السياسي - الإداري ) الإيراني إذا ما تم النظر إليه بصورة مجردة كأي دولة تمتلك منظومتها السياسية الخاصة وتحكمها مؤسسات رسمية وقواعد بيروقراطية هي قلاع ادارية لتلك الدولة.

د. طورهان المفتي

رسم توضيحي لمصارعين في مواجهة على بساط المصارعة

ذلك ان ايران في بنيتها الحقيقية الحالية ، ليست فقط ( جمهورية ) بالمعنى الدستوري السياسي المتضمن الإدارة الحزبية والبرلمانية ، ولا ( دولة دينية ) بالمعنى المفهوم ولا هي دولة ذات عمق ( قومي ) بالمعنى الدارج ، بل هي منظومة مركّبة ومتراكبة مستندة الى ما سبق ذكرهم جميعا كركائز أساسية متوازية تارة وتارة اخرى متوالية واخيراً متداخلة فيما بينها .

وتعتمد كل ركيزة على أسس معينة خاصة بها.

ومن خلال هذا التركيب، يمكن تفسير سبب قدرة المنظومة السياسية الإيرانية على امتصاص الصدمات، وكذلك فهم لماذا تؤدي الهزات الكبرى في مركز القرار الإيراني إلى لامركزية في الردع والدفاع بدلًا من الانهيار .

الركائز الإيرانية .

أولًا: العقيدة الدينية .

العقيدة الدينية في ايران ليست مجرد خطاب تعبوي أو غطاء أخلاقي للسلطة، بل تمثل الهيكل التأسيسي للنظام والقولبة الرئيسية للتشكيل الإداري للدولة . فمع تاسيس الجمهورية الإسلامية، لم تُبنَ السلطة على مبدأ الإدارة فقط وانما ايضا على وفق (فكرة الرسالة) وقدسية الرسالة ( وهو حال جميع التأسيسات الدينية بصورة عامة والإسلامية بصورة خاصة ) بالتالي فان هكذا دولة لا ترى نفسها مسؤولة عن جغرافيتها بقدر ما هي مسؤولة عن حماية العقيدة والموازين الدينية حيثما كانت وكيفما كانت .

ان دولة العقيدة تعطي عدة مزايا لها وهي :

١- القدرة الفائقة للتعبئة المجتمعية واستحضار النخب متى ما دعت الحاجة .

2. إضفاء القدسية والسلطة الإلهية على اي صراع .

3. اعادة انتاج التحديات الخارجية إلى عنصر تماسك داخلي.

ثانيًا: القومية او الأمة الإيرانية .

الشيء المميز في هذ ا المجال هو إذابة الجغرافية مع القوميات المختلفة لإنتاج الأمة الإيرانية ومجازاً ( القومية الإيرانية ) .

حيث تم وبذكاء أعادة إحياء الروح القومية الإيرانية ودمجها في البنية السياسية الحديثة.

فبالتالي ان ايران لم تحكم نفسها فقط باسم الثورة، بل أيضًا باسم التاريخ، الحضارة، العمق الإمبراطوري، والخصوصية الإيرانية.

بمعنى آخر، فإن النظام الإيراني لم يقم بانتاج ( مواطن مؤمن ) بل نجح إلى حد بعيد في انتاج مواطن إيراني يشعر أن دولته ليست كياناً هامشياً في صفحات التاريخ وانما هي امتداد مستمر لحضارة طويلة موغلة بالعمق .

ان هذا الدمج بين العقيدة الدينية الثورية والإيراني القومي منح النظام عمقًا نفسيًا وسياسيًا كبيرًا واستقراراً بينياً رهيباً.

ثالثًا: البرلمان والانتخابات .

وهي الركيزة الأخرى لإضفاء الشرعية على وجود المنظومة السياسية واختيار النخبة وإعادة تموضع النخبة مرة اخرى في مفاصل الدولة .

فالانتخابات في إيران لا تؤدي وظيفة التداول الحر الكامل للسلطة فقط وانما ايضا تعطي الشرعية وتسمح للمواطن بالاختيارات والممارسات الديموقراطية التي لا تسمح بها الركائز الأخرى وفي نفس الوقت تضفي الشرعية المطلوبة وتمتص التوترات المجتمعية ان كانت موجودة.

وهنا تظهر براعة المنظومة السياسية الإيرانية ،

فهي لا تسمح بانفجار الصراعات الداخلية خارج اطر هذه الركائز بل تسحبها إلى الداخل، وتحوّلها إلى تنافس منضبط داخل حدود النظام.

المنظومة السياسية ؛ الكائن الحي .

إذا جمعنا هذه الركائز الثلاث ،العقيدة، والقومية، والانتخابات سنجد أننا أمام منظومة لا تعمل كآلة او كيان إداري ، بل كـكائن حي.

ذلك ان الالة او اي كيان إداري إذا ما تعرض الجهاز المركزي للتشغيل وخوارزماياتها إلى أذى فإنها اي الالة سوف تتعطل بالضرورة لعدم وجود إيعازات مركزية ومهارات متدفقة لان الأوامر التشغيلية تأتي من الأعلى إلى الاسفل .

أما الكائن الحي، فإذا تعرّض الجهاز المركزي المتمثل بالدماغ لارتجاج أو إصابة، فإن بقية أعضاء الجسم لا تتوقف فورًا، بل تبدأ ردود فعل تلقائية وغريزية لحماية الجسد.

وهذا بالضبط ما يفسر سلوك إيران في الأزمات الكبرى. إذ إن التصدع أو الاستهداف الذي يطال رأس المنظومة سواء كان سياسيًا أو أمنيًا أو رمزيًا لا يؤدي بالضرورة إلى شلل كامل، بل غالبًا ما يدفع بقية الأجزاء إلى التحرك الذاتي.

فتنشط المؤسسات المسلحة وتتصلب الأجهزة العقائدية، وتتصاعد الشبكات الحليفة، وتتحفز الأطراف الإقليمية المرتبطة بها.

اي أنها لا تتصرف فقط بأوامر مركزية بالذات ، بل أيضًا عبر منطق البقاء الداخلي الذي تم زرعه فيها عبر عقود من الزمن .

كما وان وجود الركائز المختلفة توحي بان لها (غدد لمفاوية متعددة) إذا ما توقفت احدى الغدد تقوم الغدة الأخرى بالعمل والتغطية على المهام .فاذا ما تعثر الوضع العقائدي مثلا فهناك من يتحرك ضمن الأيديولوجية القومية وهناك من يتحرك ضمن الدائرة البرلمانية والسياسية .

وهنا تظهر اللامركزية في القرارات بابها صورها لتتحول المنظومة السياسية ذات الركائز المختلفة إلى شيء شبيه بالكائن الحي ليدافع كل جزء عن ما يصل اليه من إصابات .

ان هذا التميز للمنظومة السياسية الإيرانية يجعل من استهداف ( الرأس ) غير ذي جدوى لإنهاء الحرب او حتى إعلان النصر .

بل أحيانًا، قد يؤدي الضغط على المركز إلى إطلاق ردود افعال متعددة ومتزامنة من الأطراف، كما يحدث في الجسد الحي حين تتفاعل الأعصاب والعضلات والأجهزة المختلفة دفعة واحدة لحماية الكيان.

وهذا يفسر لماذا لا يمكن التعامل مع إيران كدولة تقليدية ذات نظام سياسي احادي لأن بنيتها السياسية والأمنية والعقائدية تشبه شبكة عصبية أكثر من كونها مجرد هرم للسلطة.

الختام .

من الرؤية السردية أعلاه فإن التعامل مع إيران سواء من قبل خصومها او من قبل التحديات الدولية الموجودة على مر تاريخ تاسيس (الجمهورية الإسلامية ) وحتى من قبل الباحثين والمهتمين في شؤون الإيرانية يحتاج إلى تجاوز صورة ( الدولة النمطية) او ( الدولة الهرمية التقليدية ) او (الدولة ذات النظام السياسي - الإداري المغلق ) وانما صورة دولة ذات بنية عضوية معقدة متراكبة ومتداخلة .

كلما تم استهدافه في المركز، ازدادت الأطراف توترًا وحركةً وقرارات فعلية ولامركزية ككائن حي يشعر بالخطر ويحاول الدفاع بكل ما يملك من أعصاب وغرائز وذاكرة عضوية او خلوية .

وعلى هذا الأساس لابد من جلوس جميع الأطراف على مائدة الحوار وبضمانات دولية للخروج بنتائج من شأنها إنقاذ الوضع العام ، بعكس ذلك فان هذا صراع وهذه الحرب سوف تطول وتدخل المنطقة والأطراف المشاركة مرحلة الاستنزاف الفعلي والتي يقيناً سوف توثر على جميع مجريات الحياة