د. طورهان المفتي

تركز الاتفاقية على مبدأ مهم وهو (الأمن الجماعي) واعتبار أي اعتداء على أي دولة منها اعتداءً على الجميع وبهذه الجزئية المهمة فان الاتفاقية تعيد إلى الأذهان التكتلات الإقليمية التاريخية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ،وعلى رأسها حلف بغداد (1955)، مع تحولات جوهرية في أدواتها ومكوناتها الفاعلة.
ان الربط بين حلف بغداد واتفاقية مكة من الأهمية بمكان يجعلنا ان ندرس وعن قرب التشابهات والاختلافات بينهما وكذلك للرؤية المستقبلية لاتفاقية مكة .
اولا- قراءة مقارنة بين حلف بغداد (1955) واتفاقية مكة (2026).
1- كشف المقارنة بين حلف بغداد والذي أسس عام 1955 واتفاقية مكة للدفاع المشترك لعام 2026 عن تحوّل جوهري في فلسفة التحالفات الدفاعية في المنطقة . فمن حيث تركيبة الأعضاء، ضَمّ حلف بغداد كلاً من العراق، وتركيا، وباكستان، وإيران، إلى جانب المملكة المتحدة واسناد واضح من الولايات المتحدة من دون ان تكون الأخيرة ذات عضوية في الحلف ،بينما اقتصرت اتفاقية مكة على ثلاث أقطاب إقليمية ( محلية ) هي السعودية، وتركيا، وباكستان.
2- كان ظروف وشروط الحرب الباردة ولجم تمدد الاتحاد السوفيتي انذاك المحرك الرئيسي والهدف الاستراتيجي لحلف بغداد .في حين نبعت اتفاقية مكة من رغبة داخلية ذاتية في المنطقة لسد فراغ الضمانات الدولية واحتواء التهديدات والمخاطر المباشرة بالمنطقة.
3- قام حلف بغداد تحت مظلة ورعاية غربية مباشرة بقيادة بريطانيا واعتماد كبير على السلاح والتخطيط الاستراتيجي الغربي، بينما جاءت اتفاقية مكة بصيغة إقليمية ( محلية) تُحقق تكاملا استراتيجيا فريدا يجمع بين الثقل المالي والاستراتيجي السعودي، والصناعة الدفاعية والخبرة العسكرية التركية، والقوة العسكرية وكون باكستان عضوة في النادي النووي .
ثانيا التشابه والتطوّر التاريخي والجيوسياسية بين حلف بغداد واتفاقية مكة.
1- تعتبر كل من أنقرة وإسلام آباد عمودين فقريين في المعادلة الأمنية للشرق الأوسط وجنوب آسيا منذ الخمسينيات القرن الماضي .
2- يعتمد الحلفان على عقيدة الدفاع المشترك وتوفير مظلة أمنية متبادلة للحد من التهديدات الخارجية.
3- يربط المحوران أمن الخليج العربي بالعمق الأناضولي والآسيوي.
4-نظرية الخوف المشترك للدول الداخلة في الحلف والاتفاقية .
ثالثا التحول نحو (الحلول الإقليمية) وترك الحلول الدولية والغربية خاصة.
1- تميزت (اتفاقية مكة) عن (حلف بغداد) في الغياب المباشر للقوى العظمى الغربية كأطراف مؤسسة. بينما كان حلف بغداد وليد سياسات القوة الغربية في فترة الحرب الباردة.
2- ولدت اتفاقية مكة نتيجة مخاض إقليمي كنتيجة اعتماد الدول على قدراتها الذاتية وبناء منظومات ردع مستقلة وغير معتمدة على التعهدات الدولية وذلك لمواجهة التحولات الجيوبولتيكية المتقلبة.
3- فقد العراق محورية الموقع والذي كان مركزاً جغرافياً وسياسياً لحلف بغداد، ثم خرج منه عام 1959، فإنه يجد نفسه اليوم أمام تحول جديد في الأمن الإقليمي إذ انتقلت المبادرة في هذا التشكيل الجديد من بغداد إلى الرياض، مع بقاء العراق في موقع جغرافي يجعله متأثراً مباشرة بأي إعادة تشكيل لمحاور الأمن الإقليمي.
رابعا التحديات التاريخية مقابل التحديات الحالية.
1-تحديات الخمسينيات في القرن الماضي والتي أتت ب (حلف بغداد):
أ- واجه الحلف معارضة وعرقلة إقليمية واسعة وذلك جراء الصراع بين المد العروبي والمحاور ذات التوجه الدولي والمنفتح على المصالح الذاتية بالتعاون مع الإرادات الكبرى .
ب- عانى الحلف من النظرة المشكوكة بالنوايا بكونه أتى نتيجة إرادة للنفوذ الغربي والأمريكي، مما أدى لانسحاب العراق بعد سنة من انقلاب عام 1958 وتحول الحلف إلى منظمة المعاهدة المركزية (CENTO) وتحول مقر الحلف من بغداد إلى أنقره ( لينتهي الحلف كليا في سنة ١٩٧٩ ).
2-تحديات اليوم (اتفاقية مكة):
أ- على الاتفاقية ان تجد حلولا للتعامل مع حروب الوكالة، الطائرات المسيرة، الهجمات الصاروخية، وأمن الملاحة والبنية التحتية.
ب- إدارة العلاقة مع واشنطن وبكين وموسكو دون الاصطدام بالتوازنات الدولية.
ج- توحيد العقائد العسكرية والأنظمة الدفاعية بين ثلاث جيوش ذات منصات وتجهيزات مختلفة.
خامسا الرؤية القادمة في أفق التحالف والثقل الجديد
1. صياغة معادلة ردع إقليمية جديدة حيث يجمع التحالف بين الاقتصاد السعودي القوي، والقدرات التصنيعية والعسكرية لتركيا (عضو حلف الناتو)، والقوة العسكرية ذات الأبعاد المختلفة ،
مما ينتج بالضرورة قوة ردع ترغم الأطراف الأخرى على إعادة حساباتها.
2. توطين الصناعات الدفاعية والذي سوف يشهد في المستقبل القريب نقلًا واسعا للتكنولوجيا وتطويرا مشتركا للطائرات المسيرة والأنظمة الدفاعية الجوية والصاروخية بين الدول الثلاث.
3. امكانية التوسع المفتوح وذلك نظراً لأن الاتفاقية غير موجهة ضد طرف محدد ومفتوحة للانضمام، فقد تشهد السنوات المقبلة انضمام أو تنسيقاً عسكرياً متقدماً مع دول إقليمية أخرى تشاركها نفس الرؤية الأمنية. فمن المتوقع ان تستقطب دولا اخرى مثل مصر وسوريا فيما سيدفع ذلك دول الخليج الأخرى إلى إعادة تقييم ترتيباتها الأمنية وعلاقاتها الدفاعية.
4. تغيير ديناميكيات التفاوض الدولي حيث ستتعامل القوى الدولية مع الشرق الأوسط من بوابة كتلة إقليمية أكثر تماسكا وقدرة على إدارة أزماتها بنفسها، مما يعزز الاستقرار ويقلل الاعتماد الحصري على المتبنيات الأمنية الخارجية.
5-ستتوجب على الإرادات الكبرى التي تتعامل مع المنطقة ان تأخذ بنظر الاعتبار اتفاقية مكة وأعضاءها مما سوف يشكل ثقل نوعي في المنطقة .
6-سوف تدخل اتفاقية مكة بأعضائها إلى اجواء التوتر في الشرق الأوسط لتكون لها القول الأهم في المجريات . مما قد يخلق نوع جديد من التحديات في الشرق الأوسط مع الإرادات الكبرى والتي تنظر بريبة إلى أية اتفاقية ذات تطلع متماسك بين أعضاءها .
ملاحظات مهمة
1-يتوجب على أعضاء الاتفاقية الابتعاد عن الصبغة الطائفية التي قد يحاول البعض إظهارها سواء داخليا او خارجيا .
2-بالرغم من ان الاتفاقية ستولد ضغوط على العراق مما يجعل من العراق ان يستهلك جهودا اكبر لاجل المحافظة على الحيادية وعدم الدخول في اي محور موجود في المنطقة دوليا كان او محليا . إلا ان مثل هكذا اتفاقية سوف يخلق فرصة ذهبية للعراق للنهوض كدولة تنسيقية وتوفيقية بين الدول والمحاور المختلفة