الهندسة المجتمعية وأثرها في بناء الدولة

ان جميع الكائنات الحية ومن ضمنها المجتمعات البشرية تزخر باحتوائها على حالة من التغاير والاختلاف بين أفرادها وجماعاتها؛ إلا انَّ تغايراتها تكون من حيث اللغة أو الدين أو المذهب أو القومية أو العادات والتقاليد أو حتى من حيث نمط الحياة وطريقة التفكير والتعامل مع البيئة المحيطة.

بقلم / د. طورهان المفتي

إنفوغرافيك يوضح الهندسة الاجتماعية وأثرها في بناء الدولة العراقية

هذا التغاير بحد ذاته ليس حالة طارئة على المجتمعات؛ بل هو النتيجة الطبيعية للتطور البشري، حيث لا يوجد مجتمع إنساني او بشري ذي صبغة واحدة متطابقة منذ الأزل والى الآن، وسبب ذلك يعود الى الامتزاج الطبيعي الناتج عن الهجرة والتجارة المتبادلة والحروب والمصاهرة والتوسع السياسي والتداخل الحضاري؛

لذا فإن وجود جماعات مختلفة داخل المجتمع الواحد لا يعني بالضرورة وجود صراع بينها، كما أنَّ الاختلاف العددي أو الديني أو القومي لا يعني أن فئة معينة يجب أن تكون مُهَمَّشة أو أقل مشاركة من غيرها بسبب القلة العددية.

لا ينتج التغاير المجتمعي ظروف احتقان او صراع داخلي؛ بل يمكن أن يكون مصدر قوة للمجتمع من خلال الادارة المثلى لهذا التغاير او هندسة التغاير ، ويمكن في الوقت ذاته أن يتحول إلى مصدر ضعف إذا استُخدم سياسياً لتقسيم المجتمع أو احتكار السلطة أو توزيع الحقوق على أساس الانتماء ضمن أسس الفوقية والطبقية الفئوية .

لما ذكر آنفاً فقد ظهرت الحاجة إلى مفهوم الهندسة المجتمعية أو الهندسة الاجتماعية Social Engineering، باعتبارها مجموعة من الأفكار والأساليب التي تهدف إلى فهم المجتمع ومكوناته وسلوك أفراده، ثم التأثير في العلاقات القائمة بينهم أو إعادة تنظيمها بما يخدم أهدافاً اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية محددة ليكون في الناتج استقرارا أمثل لغرض العيش والتفاعل ضمن جغرافية محددة ( الوطن) .

الهندسة المجتمعية كمفهوم.

الهندسة المجتمعية ليست مفهوماً حديثاً كلياً ، فقد وردت استخداماتها منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتطورت بعد ذلك بصورة كبيرة مع تطور علوم الاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة والإدارة،كما تم تطويع المصطلح في اتجاهات مختلفة، مثل الإصلاحات المجتمعية وتطويرها، واستخدامها في المنظومات السياسية للتأثير في المجتمع وإعادة تشكيله وفق رؤية السلطة.

بالتالي فإن الهندسة المجتمعية تستهدف أسمى أسس التعايش السليم؛ لكن قد تستخدم لغايات سلبية ايضا وحسب طبيعة الهدف وغاية العاملين عليها مثل التطهير العرقي وإلغاء قوميات وطوائف ضمن مجتمعات معينة لغرض إضفاء الصبغة الواحدة على مجتمع متغاير اساساً.

ماذا تعني الهندسة المجتمعية في المجتمعات المتنوعة؟

عندما يكون المجتمع متنوعاً قومياً أو دينياً أو مذهبياً أو لغوياً، فإن مهمة القائمين على الأمر والآباء المؤسسين لا ينبغي أن تكون إزالة هذا التغاير ؛ لأنَّ هذا الأمر شبه مستحيل وإنما إدارة هذا التغاير بطريقة تمنع تحوله إلى صراع؛ ذلك انَّ المجتمع المتنوع او ذي التغاير يحتاج الى :

١- الاعتراف بالتنوع.

٢- ضمان المساواة بين أفراده.

٣-إيجاد ارضية مشتركة متمثلة بالهوية الوطنية السامية على بقية المسميات الفرعية من دون أن تلغيها او تقلل من شأنها.

وفي هذه الجزئية تظهر أهمية الهندسة المجتمعية؛ لأنها لا تعمل على إلغاء المكونات، وإنما تعمل على هندسة العلاقة بينها، فليس المطلوب أن يصبح الجميع متشابهين، وإنما المطلوب أن يكونوا متساوين في الحقوق والواجبات .

وليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن قوميته أو دينه أو مذهبه أو لغته، وإنما أن تكون هذه الهويات جزءاً من شخصيته الاجتماعية، وليست بديلاً عن هويته الوطنية.

ماذا لدينا في العراق؟

العراق من أكثر المجتمعات التي يمكن أن تنطبق عليها هذه المفاهيم؛ وذلك بسبب التراكم التاريخي الكبير الذي مر به المجتمع العراقي.

فالعراق يحتوي على تنوع قومي وإثني وديني ومذهبي ولغوي واجتماعي كبير، ويضم العرب والكرد والتركمان والسريان والصابئة والأرمن والأيزيدية وغيرهم، كما يضم المسلمين بمذاهبهم المختلفة، والمسيحيين بمختلف مدارسهم وتوجهاتهم والإيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم من أبناء المجتمع العراقي.

كما أنَّ المجتمع العراقي يحتوي على تنوع مناطقي وعشائري ومدني وريفي، وهذا التداخل أنتج مجتمعاً شديد التعقيد من الناحية الاجتماعية ، حيث ان كل تنوع يكون فيه تنوع آخر مما يزيد من أعداد التنوع والتغاير وايضاً يزيد من التعارف والارتباط مثل شبكة العنكبوت ، ولتقريب الحالة من الممكن دراسة مثال قومي ومثال جغرافي :

١- المثال القومي ،العرب في العراق ،كقوميّة هم عرب وكدين فيهم المسلم والمسيحي والبهائي واليهودي وكمذهب إسلامي فيه الشيعي والسني والعلوي ومثل الشيعي فيه الجعفري والإخباري و و و و ، فالشيعي العربي يرتبط مع الشيعي التركماني والكوردي وهو اساسا مرتبط بالعرب وكذلك المسيحي العربي مرتبط دينيا بالمسيحي الكوردي والتركماني والسرياني والأرمني وكذلك هو اساسا عربي .

٢- المثال الجغرافي ، محافظة ،كركوك ، ففيها التركمان والكورد والعرب والسريان والصابئة و و و و ، ومن العرب فيها المسلم من السنة والشيعة وفيها الطوائف المسيحية المختلفة وهناك مكونات اخرى كثيرة وكل هذه المكونات مرتبطة ضمن مصفوفة عددية عمودية وأفقية ضمن جغرافية المحافظة.

بالعودة إلى التغاير المجتمعي ،فانه لم يكن في جميع مراحل التاريخ العراقي سبباً للصراع؛ بل بالعكس كان من اهم اوتار استمرار العراق وبقاءه وديمومته امام مختلف التحديات ، إذن المشكلة ليست في وجود التغاير؛ وانما المشكلة في الطريقة التي تتم فيها إدارة التغاير.

بين التغاير والمكون.

بعد عام 2003 أصبح استخدام كلمة المكونات واسعاً في الخطاب السياسي؛ لأنَّ الدستور العراقي لا سيما بعد إقرار الدستور العراقي الدائم في سنة ٢٠٠٥ قد ورد في الكثير من مواده مصطلح المكونات ، وأصبح المصطلح يستخدم للإشارة إلى القوميات والأديان والمذاهب المختلفة الموجودة في المجتمع العراقي.

وهذا الاستخدام هو يعد إيجابياً عندما يكون الهدف منه الاعتراف بالتنوع وحماية الحقوق، لكن المشكلة تظهر عندما تتحول كلمة ( المكون ) من تعريف اجتماعي وثقافي إلى تعريف سياسي مغلق، بحيث يصبح المواطن سجيناً ضمن المكون وممثلاً لمكونه قبل أن يكون ممثلاً للعراق.

هذا التعريف السياسي يؤدي إلى ان يتحول التنوع الاجتماعي إلى انقسام سياسي ذي أهداف ورؤى فئوية ضمن جغرافية متداخلة مما يخلق الصراع،

فالمكون والمكونات في أصله حالة اجتماعية، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى مؤسسة سياسية مغلقة تحدد للمواطن من يمثله، ومن يصوت له، ومن يجب أن يعمل معه، ومن هو معه ومن هو ضده .

المطلوب عراقيا في الهندسة المجتمعية .

العراق لا يحتاج إلى هندسة مكوناته، لأن مكونات العراق موجودة تاريخياً ولا يمكن بأي حال من الاحوال إعادة تشكيلها بقرار سياسي او ضغط فئوي ، فقد فشلت في ذلك مشاريع سياسية كثيرة استخدم فيها الترغيب والترهيب والقتل والتغييب وخاصة ابان النظام السابق ولم تأتِ أُكُلُها ؛ لكن ما نحتاجه فعليا في البلاد هي (هندسة العلاقة بين هذه المكونات) .

وهذا يتطلب العمل على (ادارة المكونات) و من ثمَّ الانتقال إلى مفهوم (إدارة المواطنة).

فالدولة لا ينبغي لها أن تنظر إلى المواطن أولاً باعتباره عربياً أو كردياً أو تركمانياً ، ولا سنياً أو شيعياً أو مسيحياً أو إيزيدياً أو صابئياً، وإنما باعتباره مواطناً عراقياً له حقوق وعليه واجبات ( اي تاسيس دولة مواطنة وليست دولة حكومة او دولة فئوية ) ، ومن ثم تأتي خصوصياته باعتباره جزءاً من شخصيته وكينونته، وهذا لا يعني إلغاء المكونات؛ بل يعني وضعها في الإطار الطبيعي لها وتحويل المكونات من ادارة الصراع إلى استثمار التنوع .

أدوات الهندسة المجتمعية.

١- التعليم والإعلام

من خلال تعليم الطفل العراقي بأنَّ تاريخ وحضارة العراق هو لكل العراقيين وان هذا التاريخ في العراق هو نتيجة تعاون جميع مكونات العراق منذ وجود العراق وان التاريخ جزء من الذاكرة الوطنية ويجب ان ينحت في عقل الطفل العراقي وهذا دور التربية والتعليم والإعلام .

فالحضارة السومرية والبابلية والآشورية، والتاريخ الإسلامي، وال بيت النبوة والحضارة العباسية، والمدن المقدسة، وعلوم بغداد، وتاريخ الموصل والبصرة واربيل وكركوك والنجف وكربلاء وسامراء وبابل وغيرها، يجب أن ينظر إليها باعتبارها أجزاء من الذاكرة العراقية المشتركة.

٢- سن قوانين مجتمعية .

لا يمكن بناء هوية وطنية بمجرد الخطب والنوايا؛ وانما من خلال ضوابط تشريعية تحمي العراق من طغيان مسميات اخرى عليه وتركز على الذاكرة الوطنية والحاضر والمستقبل العراقي .

فإذا شعر المواطن أن فرصته في الوظيفة أو التعليم أو الاستثمار أو الحصول على الخدمة مرتبطة بإنتمائه، فسوف يبحث عن حماية خارج إطار الدولة كأن يكون السند الفئوي او الطائفي وغيره ، ومن خلال القوانين المجتمعية فإنَّ المواطن سوف يؤمن بحماية القانون له وأن الكفاءة هي معيار التقدم، فإن علاقته بالدولة ستصبح أقوى.

ويمكننا ان نقول ان العراق وبالاستناد إلى الدستور وسن قوانين مجتمعية فانه سوف يقوم بانتاج (عقد اجتماعي جديد للعراق )

(كنا قد نوهنا إلى هذا الموضوع بعدة مقالات سابقة بمناسبة مئوية العراق قبل سنوات ).

٣- العدالة الاجتماعية.

ان العدالة الاجتماعية هي في الحقيقة مبدأ تكافؤ الفرض والذي اقره الدستور العراقي وهي ليست مجرد مسائل اقتصادية، وإنما هي أدوات مباشرة في بناء المجتمع. فالمواطن الذي يحصل على حقه من الدولة لا يحتاج إلى البحث عن بديل عنها.

٤- الاندماج الاجتماعي

ولا نعني هنا الصهر للمكونات وانما ايجاد صيغ تداخل وتفاعل وتعاون أمثل بين المكونات وعدم التخلي عن خصوصية كل مكون وكينونته وهو مبدأ فخر واعتزاز له كمواطن .

فالعراقي الكوردي لا يحتاج إلى التخلي عن كورديته حتى يكون عراقياً.

والعراقي التركماني لا يحتاج إلى التخلي عن تركمانيته حتى يكون عراقياً.

والمسيحي لا يحتاج إلى التخلي عن دينه حتى يكون عراقياً.

والإيزيدي أو الصابئي أو أي مكوّن آخر لا يحتاج إلى إلغاء خصوصيته حتى يكون جزءاً من الدولة.

من خلال ما ورد أعلاه فإننا سوف نتجه إلى هندسة ادارة المكونات وإدامة مصلحة المواطن وبعدها ادارة المواطنة حيث تكون المصالح المشتركة اهم المرتكزات بين العراقيين، وعليه فإنَّ بناء المواطنة تعد من اكبر المشاريع الوطنية .

على سبيل المثال عندما يقتنع الـمواطن ان مصلحته الاقتصادية مرتبطة باستقرار العراق، وأن مستقبل أبناؤه مرتبط بنجاح الدولة، سوف يصبح أكثر تمسكاً بالدولة من أي انتماء سياسي أو اجتماعي ضيق.

الخلاصة

المواطن الذي يلمس مع مرور الوقت المساواة في المواطنة، احترام التنوع،حماية الخصوصيات الثقافية والدينية والقومية،منع التمييز، تكافؤ الفرص، سيادة القانون، بناء ذاكرة عراقية مشتركة وتعزيز المصالح المشتركة بين المحافظات والمكونات، فإنَّه سوف يعمل على إعلاء الهوية الوطنية من دون إلغاء الهويات الفرعية، فالعراق لا يحتاج إلى مجتمع متشابه او متطابق؛ وإنما يحتاج إلى مجتمع متماسك بمكوناته، والتماسك لا يعني إلغاء الاختلاف، وإنما يعني القدرة على إدارة الاختلاف وهندسته فالتنوع القومي والديني والمذهبي واللغوي ليس ضعفاً بحد ذاته؛ وإنما يصبح ضعفاً عندما يتحول إلى أدوات للصراع السياسي، والعراق والعراقي لا يحتاج إلى أن يتخلى عن تنوعه حتى يبني دولته، وإنما يحتاج إلى أن يحول هذا التنوع من مصدر للقلق إلى مصدر للقوة.

إنَّ هندسة المجتمع العراقي الحقيقية ليست في تغيير مكوناته؛ وإنَّما في تغيير الطريقة التي تنظر بها هذه المكونات إلى بعضها وإلى الدولة وإلى المستقبل المشترك، والدولة القوية ليست الدولة التي تلغي الاختلاف، وإنما الدولة التي تجعل الاختلاف امناً.