د. طورهان المفتي

وهنا تبدأ الاشكالية.فالدولة الحديثة تقوم أساسًا على فكرة واضحة متمثلة ب ( أرض محددة، شعب محدد، سلطة محددة، وسيادة على جغرافيا محددة )، أما الأيديولوجيا، فليس من طبيعتها أن تتوقف عند خط مرسوم على الخريطة.
الأيديولوجيا لا تبحث أين تنتهي الحدود السياسية لكي تتوقف عندها، وإنما تبحث عن العقول والإنسان الذي يمكن أن يؤمن بها.
الامتداد العقدي :-
الاتجاه العقدي، دينيا كان او مذهبيا شيعيًا كان أم سنيًا، والخط القومي، عروبيًا كان أم غير ذلك، وكذلك الأيديولوجيات الأممية كالشيوعية، كلها تمتلك في جوهرها قابلية للانتشار والتوسع خارج حدود الدولة.
ولهذا نجد أن الأيديولوجيات الدينية، بمختلف مدارسها واتجاهاتها، تحمل بطبيعتها قابلية للانتشار خارج الدولة، لأن رابطة العقيدة في أساسها ليست رابطة جغرافية ، لهذا من النادر ان تجد مدارس فقهية تشير إلى الحدود بين الدول ومراعاة هذه الحدود ، حيث انَّ هذه الفقرة تعني تحجيم الانتشار ، وهذا بحد ذاته ضد الانتشار والتوسع ، والإشكالية هنا ليست في الدين نفسه وبكل تاكيد ، وإنَّما في العلاقة بين العقيدة والدولة الحديثة.
فالدولة الحديثة مفهوم سياسي وقانوني نشأ على أساس السيادة الإقليمية والحدود، بينما كانت الدولة في التصورات السياسية القديمة تُعرّف بصورة مختلفة، ولم تكن الحدود بالمفهوم الحديث هي الأساس الذي تُبنى عليه شرعية الانتماء السياسي.
وبهكذا جدلية وهكذا اشكالية استيعابية بقيت العلاقة بين الانتماء العقيدي وبين الدولة الوطنية علاقة تحتاج إلى إعادة تعريف مستمرة.
فالإنسان قد يكون مواطنًا في دولة، لكنه في الوقت نفسه ينتمي إلى فضاء عقيدي يتجاوز هذه الدولة.
وحين تصبح الأولوية للعقيدة العابرة للحدود على حساب الدولة ذات الحدود، تبدأ المشكلة وثنائية الانتماء وأيهما ينتصر على الآخر في نهاية المطاف .
المد القومي:-
قد يبدو الأمر مختلفًا عندما ننتقل إلى القومية، لكنَّه في الحقيقة يحمل جزءًا من الإشكالية ذاتها والتي هي موجودة في الامتداد العقيدي ، فالقومية العربية والعروبيون مثلًا، لم ينظروا إلى الحدود السياسية التي رسمت بين الدول العربية بِعَدِّها حدودًا نهائية للهوية العربية، وإنما تعاملت مع الجغرافية العربية فضاءً أوسع من الدول القائمة وفق القومية العربية.
فالعروبة، في تصورها القومي، لا تتوقف عند حدود العراق أو سوريا أو الأردن أو غيرها، لأن الفكرة القومية نفسها تقوم على وحدة أوسع من الدولة ولاجل هذا فقد استخدم اصحاب المد القومي العربي مصطلح ( قُطر) للدلالة على الدول العربية وللتخفيف من حدة ووضوح الحدود بين تلك الدول وتمييز هذه الحدود عن حدود الدول العربية مع غير العرب . وما يطبق على المد القومي العربي يطبق وبنفس الحال لبقية الأفكار القومية بالمنطقة بدون استثناء .
وهنا أيضًا يظهر التعارض بين الدولة القائمة والفكرة التي تريد أن تتجاوزها، فالحدود بالنسبة للدولة هي جزء من تعريفها وكينونتها، بينما الحدود بالنسبة للأيديولوجيا قد تكون مجرد مرحلة تاريخية قابلة للتجاوز.
المد الأممي :-
من افضل الأمثلة للمد الأممي في التاريخ المعاصر هو الفكر الشيوعي، حيث تقدم الشيوعية إنموذجاً آخراً أكثر وضوحاً، فالفكر الشيوعي لم يكن مشروعًا محصورًا داخل دولة واحدة، بل كان يحمل منذ بداياته طابعًا أمميًا، وكانت فكرة انتشار الثورة والطبقة العاملة تتجاوز الحدود الوطنية، ولهذا شهد العالم خلال القرن العشرين صراعاً لم يكن مجرد صراع بين دول، وإنما صراع بين منظومات فكرية أرادت كل واحدة منها أن تنتشر خارج جغرافيتها.
انَّ ما ذكر أعلاه يجعلنا نطرح تساؤل جوهري هو فيما إذا كانت الفكرة تؤمن بأنها صالحة للبشر جميعًا، فلماذا تتوقف عند حدود دولة؟
وهذا هو السؤال الذي يجعل الأيديولوجيا بطبيعتها أكثر قدرة على الانتشار من الدولة.
أين تبدأ المشكلة؟
المشكلة لا تبدأ عندما يؤمن الإنسان بعقيدة أو بفكرة أو بهوية قومية فهذه طبيعة البشرية على اية حال، وانَّما المشكلة تبدأ عندما تصبح الدولة أقل أهمية من الأيديولوجيا.
فالدولة للمواطن تعني :
الانتماء إلى الأرض، وهذه حدودها، وهذه مؤسساتها، وهذه سيادتها، والمصلحة الوطنية تبدأ من هنا.
أما الأيديولوجيا فتعني للمواطن :
الانتماء الأوسع من هذه الجغرافيا والقابل للتوسع .
وعندما تتعارض المصلحتان، يبدأ السؤال الأصعب المتمثل بالأرجحيَّة أو لمن تكون الأولوية؟ للدولة أم للفكرة؟
وهنا تحديدًا ترهق الدولة.
لأنها تجد نفسها أمام مواطن يحمل هوية سياسية أو عقيدية أو قومية تمتد إلى خارج حدودها، وقد تتقاطع مصالحه الفكرية مع قوى ومصالح موجودة داخل جغرافيته.
ماذا لدينا في العراق ؟
رُبَّما يكون العراق واحدًا من أكثر النماذج وضوحًا لهذه الإشكالية، فالعراق لم يكن يومًا بعيدًا عن المشاريع والأفكار العابرة للحدود، فتارةً كان العراق هو المنتج للأفكار العابرة للحدود، وتارةً اخرى هو المستقبل والمتفاعل لتلك الأنواع من الأفكار بصيغها المختلفة . فقد صدّر العراق عشرات الايديولوجيات المختلفة على مر التاريخ وامتدت إلى مساحات ودول مختلفة على المقياس الحالي للدول ، ودخلت إلى العراق ايضا أفكار وايديولوجيات مختلفة وتقاطعت فيه مشاريع إقليمية ودولية، وأصبح المجتمع العراقي في مراحل مختلفة من التاريخ ساحة لتفاعل هويات متعددة تتجاوز أحيانًا حدود الدولة، علما ان المشكلة ليست في وجود هذه الهويات ، فهي جزء من تاريخ العراق وتركيبته الاجتماعية والسياسية كما قد اقر الدستور الحالي بذلك حينما تمت الإشارة بوضوح بأنَّ العراق دولة مكونات، لكن المشكلة تظهر عندما تتحول الهوية العابرة للحدود إلى بديل عن الهوية الوطنية، فالدول بصورة عامة ان كانت حدودها ومؤسساتها وسيادتها مختلطة وضبابية ، ستبقى مُعَرَّضة لأنْ تتحول جغرافيتها إلى ساحة صراع بين مشاريع أكبر منها. وهذا لا يعني أن الدولة يجب أن تُلغي العقيدة أو القومية أو الفكر، فهذا أمر غير ممكن أصلًا، حيث انَّ هذه المُسمَّيات جزء لا يتجزأ من الكينونة والتشكيلة النفسية والمجتمعية للمواطن في اية دولة ، و إنَّما المطلوب أن تكون هناك قاعدة واضحة ومساحة أوضح لكل موضوع على حدى ، فقد تتجاوز الأيديولوجيا الحدود بكل سهولة ولكن يبقى قرار الدولة وسيادتها والكلمة العليا داخل حدودها .
الأيديولوجيا وإرهاق الدول .
المفارقة هنا أنًّ الأيديولوجيا ( اية ايديولوجيا ) لا تتحمل مسؤولية الجغرافية التي تدخلها بالقدر الذي تتحمله الدولة، ومثال على ذلك بان الدولة عندما تدخل حربًا تدفع ثمنها من اقتصادها وأمنها وأبناءها ومستقبلها. أما الفكرة، فقد تنتقل من دولة إلى أخرى دون أن تحمل معها هذا العبء.
ولهذا فإنَّ أصحاب الأيديولوجيات قد يتعبون ويُتعبون جغرافياتهم عندما يحاولون تحويل الدولة إلى أداة لخدمة مشروع يتجاوزها، فالدولة ليست جمعية عقائدية، وليست حزبًا سياسيًا، وليست مشروعًا أمميًا. الدولة هي في النهاية جغرافيا ومجتمع وسيادة ومصلحة وطنية، وقد تكون هذه المصلحة متفقة مع العقيدة والقومية والفكر في بعض المراحل، وقد تختلف معها في مراحل أخرى وهنا تكمن عمق القرار للدولة .
الخاتمة :-
أن يكون لدى المواطن متبنيات وايديولوجيات تتجاوز الحدود ليست بالمشكلة وليست امراً محرجا فالأفكار بطبيعتها لا تحتاج إلى جواز سفر . لكن المشكلة تبدأ عندما تتداخل الفكرة مع الدولة وتتعاشق مع فلسفتها ، مما يخلق حدودا غير واضحة بينهما لدى المواطن ، ولن يميز المواطن أين تقف الفكرة وأين تبدأ الدولة . مما يجعل من الحدود ان تفقد أهميتها ، رغم انها ليست مجرد خطوط على الخرائط ، وإنَّما هي في جوهرها حدود للمسؤولية والسيادة والقرار، والدول التي تعاني من ضبابية الحد بين الحدود المختلفة وبين حدودها كدولة ستعاني من جغرافية مفتوحة أمام كل فكرة عابرة للحدود.
وفي النهاية، قد تنتصر الأيديولوجيا ، وقد تنتشر الفكرة ، لكن الذي يبقى ليدفع الثمن في كل الأحوال هي الجغرافية وأبناءها .
وختاماً فإنَّ بلورة فكرة الدولة و سُموِّها على بقية الأفكار تكون لِزاماً على الجميع ومسؤولية حتمية لكل القائمين على الأمر ، ومسؤولية جوهرية لاصحاب الايديولوجيات العابرة للحدود ايضا فَعَلَيهم التثقيف التوعوي والمجتمعي حول اهمية أسبقية فكرة الدولة والألتزام بها قبل غيرها لان انهيار فكرة الدولة سوف تضع أوزارها فيما بعد على تلك الايديولوجيات ايضا.